تشهد السواحل المصرية تحولًا لافتًا في طبيعة الفرص المتاحة أمام الشباب، مع تنامي الاهتمام بالأنشطة البحرية وسياحة اليخوت كأحد محركات النمو الاقتصادي الجديدة. ولم يعد البحر مجرد عنصر جمالي أو وجهة ترفيهية موسمية، بل أصبح قطاعًا متكاملًا يخلق وظائف مستدامة ومسارات مهنية واضحة.
وجاء معرض مصر الدولي للقوارب ليعكس هذا التحول، من خلال ما عرضه من يخوت حديثة وتقنيات متطورة، في مؤشر على انتقال النظرة إلى المياه المصرية من كونها خلفية سياحية إلى كونها بيئة عمل نشطة وجاذبة للاستثمار.
وتتمتع مصر بميزة جغرافية استثنائية، إذ تطل على البحرين الأحمر والمتوسط، وتربط بين الشرق والغرب عبر قناة السويس، ما يمنحها موقعًا مؤهلًا للعب دور محوري في صناعة اليخوت عالميًا. ومع اتجاه الأسواق الدولية للبحث عن وجهات جديدة ومستدامة، تبرز السواحل المصرية كخيار واعد، مدعومة برؤية حكومية واضحة.
في هذا الإطار، تتخذ الدولة خطوات عملية لتعزيز موقعها في السياحة البحرية المستدامة، من بينها إنشاء أول مرسى يخوت صديق للبيئة في الإسماعيلية على قناة السويس، ضمن الاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي 2050. ويعتمد المشروع على الطاقة المتجددة، ويستوعب عشرات اليخوت، إلى جانب دمجه بأنشطة فندقية وتجارية، بما يعزز القيمة الاقتصادية للمنطقة.
ولا تقتصر الجهود على إنشاء المراسي، بل تمتد إلى تطوير منظومة متكاملة تشمل تحديث الموانئ، وتسهيل إجراءات دخول اليخوت، وإطلاق منصات رقمية موحدة، بما يواكب المعايير الدولية ويعزز تنافسية مصر إقليميًا وعالميًا.
ومع تغير نمط السياحة عالميًا، يتزايد الطلب على تجربة العيش على الماء، حيث يميل السائح إلى استئجار اليخوت لفترات أطول، والتنقل بين الموانئ والمناطق الساحلية. هذا التحول يخلق منظومة واسعة من الوظائف، إذ يتحول اليخت إلى وحدة متكاملة تجمع بين الضيافة الفاخرة، والخدمات التقنية، وإدارة العمليات.
وتنقسم الوظائف البحرية على متن اليخوت إلى مسارات مهنية واضحة، يقودها القبطان، المسؤول عن سلامة وتشغيل اليخت، وتندرج تحت إدارته أقسام السطح، والضيافة الداخلية، والمطبخ، والهندسة. ويخضع العاملون في هذه الأقسام لمعايير مهنية وتدريبية دقيقة، وفق نظم معتمدة دوليًا.
ويؤثر حجم اليخت بشكل مباشر على عدد أفراد الطاقم وتخصصاتهم، إذ تتطلب اليخوت الكبيرة طواقم متعددة ذات مهارات دقيقة، ما يعزز فرص التوظيف والتدرج المهني. وتوفر هذه الوظائف دخلًا مستقرًا وفرص عمل تحظى بتقدير عالمي، خاصة في مجالات الهندسة البحرية، والضيافة المتخصصة، والخدمات الفنية.
وتلعب الهيئة المصرية لسلامة الملاحة البحرية (EMAS) دورًا محوريًا في تنظيم هذا القطاع، من خلال اعتماد المؤسسات التدريبية ومنح التراخيص المهنية، بما يضمن جودة الكوادر وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين.
وتسهم مؤسسات تعليمية وتدريبية متخصصة، مثل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، ومعاهد التدريب البحري المعتمدة، في إعداد كوادر قادرة على تلبية احتياجات السوق المتنامية.
ويعكس هذا التوجه رؤية أوسع تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر، وتحويل سواحلها وممراتها المائية إلى منصة اقتصادية مولدة للوظائف، تفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب، وتضع مصر على خريطة الصناعات البحرية العالمية.